الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن الصليب
الأحد السادس بعد عيد الصليب

 

::: مقدّمة :::

• مع اقتراب نهاية زمن الصليب، تدعونا قراءات هذا الأحد إلى السهر الدائم مع الربّ، وهذا السهر مطلوب على كافّة المستويات لأن الوزنة تشمل كلّ شيء: وزنة الصحة، المال، الأسرة، الأقرباء، المجتمع، العمل، الخدمة...
• في قراءة الرسالة، نجد تركيزًا على الحياة داخل المجتمع وبين الأخوة.
• أمّا في قراءة الإنجيل، فنجد تشديدًا على أنّ الابن ليس كالعبد...
فلنتأمل في هاتين القراءتين علّنا نعيش مسيحيّة أكثر انسانية... بهذا نضيء للناس طريقهم وننشر النور حيث الظلمة والحبّ حيث البغض والسلام بدل الاقتتال، آمين.

 

::: صــلاة :::

أيها الربّ إلهنا، نشكرك على نعمة الحياة التي أعطيتها لنا، خلقتنا على صورتك ومثالك...
أرسلت ابنك ليكون البكر لأخوة كثيرين، وهو مكث معنا بالجسد، ولم يبرح يمكث معنا بروحه القدوس، ومن خلال جسده ودمه في سر الإفخارستيا، من خلال كلامه في الكتاب المقدس...
أعطنا أن نعرف عيش الحياة كأبناء، كشركاء في الميراث، لأننا أحببناك وعرفناك الحبّ اللامتناهي، فنبتعد عن كلّ ما يجعلنا عبيداً لآلهة تبعدنا عنك، لأنك الصّالح الوحيد معطي الحرية وبغيرك نعود إلى العبودية، إلى الخطيئة...
أعطنا أن نعي قيمة الوزنات الّتي سلمتها لنا، فنعرف أنك سلمتها لنا لأننا أبناؤك والمتاجرة بها هي ربح لنا وفرح لك في اكتمال الملكوت وخلاص العالم، فنهتم بنفوسنا، بقريبنا، بأسرتنا، بمحيطنا، وتبقى نصب عيوننا، أنت السيّد النازل من عن عرشك لترفعنا إلى ذلك العرش، لك المجد الى الأبد، آمين.

 

::: الرســالة :::

1 أيُّهَا الإِخْوَة، إِنْ أُخِذَ إِنْسَانٌ بِزَلَّة، فأَصْلِحُوهُ أَنْتُمُ الرُّوحِيِّينَ بِرُوحِ الوَدَاعَة، وَاحْذَرْ أَنْتَ لِنَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَيْضًا.
2 إِحْمِلُوا بَعْضُكُم أَثْقَالَ بَعض، وهكَذَا أَتِمُّوا شَرِيعَةَ الـمَسيح.
3 إِنْ ظَنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ شَيء، وهوَ لا شَيء، فَقَدْ خَدَعَ نَفْسَهُ.
4 فَلْيَمْتَحِنْ كُلُّ وَاحِدٍ عَمَلَهُ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ افْتِخَارُهُ في نَفْسِهِ فَقَطْ لا في غَيْرِه.
5 فإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَيَحْمِلُ حِمْلَهُ الخَاصّ.
6 مَنْ يَتَعَلَّمُ كَلِمَةَ الإِيْمَان، فَلْيُشَارِكْ مُعَلِّمَهُ في جَمِيعِ الـخَيْرَات.
7 لا تَضِلُّوا! فإِنَّ اللهَ لا يُسْتَهزَأُ بِهِ. فَكُلُّ مَا يَزْرَعُهُ الإِنْسَان، فإِيَّاهُ يَحصُدُ أَيْضًا.
8 فالَّذي يَزرَعُ فِي جَسَدِهِ، يَحصُدُ منَ الـجَسَدِ فسَادًا؛ والَّذي يَزْرَعُ في الرُّوح، يَحصُدُ مِنَ الرُّوحِ حَيَاةً أَبَدِيَّة.
9 فلا نَمَلَّ عَمَلَ الـخَيْر، ولا نَكِلَّ، لأَنَّنَا سَنَحْصُدُهُ في أَوَانِهِ.
10 إِذًا فمَا دَامَ لَنَا مُتَّسَعٌ مِنَ الوَقت، فَلْنَصْنَعِ الـخَيْرَ إِلى جَمِيعِ النَّاس، وخُصُوصًا إِلى أَهلِ الإِيْمَان.


(الرّسالة إلى أهل غلاطية – الفصل 6 – الآيات 1إلى 10)

 

::: حــول الرسالة :::

في قراءة الرسالة اليوم دستورٌ حول الحياة مع القريب وكيف نتعاطى معه.
في مستهلّ الرسالة، يتوجّه مار بولس إلى الروحيّين ليوجّههم إلى سبل إصلاح الإنسان الخاطئ... ومن ثمّ يتكلم عن تجنّب الروحيين ،أنفسهم للخطأ أيضاً.
إذاً التجربة تحارب الجميع، دون تمييز ولكن الروحيّ يبقى محصّناً أكثر وإن كان يحارب أكثر. لأنّ سلاحه أقوى وهو: الصلاة والصوم الّتي تجعل كلّ شيء متجدّداً...
كثيرًا ما نسمع أحدهم يقول: "إنّي أعرف أكثر"... ولكن المشكلة ليست في المعرفة بل في كيفيّة خوض الحرب الروحيّة وفي كيفيّة إدارتها. هنا على كلّ واحدٍ أن يدرك حجمه ويعترف بنقاط ضعفه وبحاجته للآخرين وإلّا فسوف يخوض الحرب بمفرده وسيسقط.


- إحملوا نير وأثقال بعض: اذا كان السيّد المسيح قد أخذ خطايانا وهي أشنع شيء عندنا، فكيف لا نقف بإزاء بعض؟ ألسنا جسد المسيح السريّ وكلّ عضو يتألّم لألم العضو الآخر في الجسم؟ افلا يجب أن تعمّ المحبة والتفاني في سبيل بنيان هذا الجسم؟
عندما نجد المحبة، نجد كلّ شيء: نجد ستر العيوب، نجد الخدمة، نجد العطاء... فلا يعود من محتاجٍ في الأرض... فكلفة طائرة أو دبّابة تكفي لسدّ عوز آلاف العائلات التي تموت فقراً.
-إنّ عمل الخير هو هدف المسيحيّ. والمسيحي يفعل الخير بمحبّة لذلك يكون خيراً مميزاً، إذ يمكن أن تفعل الخير غصبًا عنك وهذا ليس بخير وليس بحبّ لأنّ الخير هو أن يعطي الإنسان من ذاته، من قلبه، من حاجته، كما فعلت الأرملة، لا أن يعطي فلساً من أهراءات...
- إن فعل الخير وعمل المحبة هما الترجمة العملية للاتّصال الروحي والجهاد الروحيّ... لهذا من يعمل على مستوى الروح يكون على مستوى ومن يعمل على مستوى الجسد يكون بمستوًى آخر. فمن يعمل بالروح يعمل بالحق أي يعمل عمل الله، أمّا من يعمل بالجسد فيعمل بالأنانية والشهوانية ويعمل بهدي العالم.
- المسيحي يفعل الخير للناس جميعاً على أنهم اخوة في الخلق ولكن أهل الإيمان يجب أن يكونوا في مقدمّة الإهتمام، نعم هم من يسميهم مار بولس: "القدّيسون".


وبعد ماذا نفعل؟ هل نملّ عمل الخير؟ هل نملّ الجهاد الروحي؟
ندعو من باستطاعته فعل الخير ولم يجربّه إلى اليوم، أو من لم يختبر الجهاد الروحي، أن يحاول ذلك فالمسيحية أفعالٌ وإيمانٌ يعاش والتجربة خير برهان!

 

::: الإنجيل :::

14 ويُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ رَجُلاً أَرَادَ السَّفَر، فَدَعَا عَبِيدَهُ، وسَلَّمَهُم أَمْوَالَهُ.
15 فَأَعْطَى وَاحِدًا خَمْسَ وَزَنَات، وآخَرَ وَزْنَتَين، وآخَرَ وَزْنَةً وَاحِدَة، كُلاًّ عَلى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وسَافَر.
16 وفي الـحَالِ مَضَى الَّذي أَخَذَ الوَزَنَاتِ الـخَمْس، وتَاجَرَ بِهَا فَرَبِحَ خَمْسَ وَزَنَاتٍ أُخْرَى.
17 وكَذـلِكَ الَّذي أَخَذَ الوَزْنَتَينِ رَبِحَ وَزْنَتَينِ أُخْرَيَين.
18 أَمَّا الَّذي أَخَذَ الوَزْنَةَ الوَاحِدَةَ فَمَضَى وحَفَرَ في الأَرْض، وأَخْفَى فِضَّةَ سَيِّدِهِ.
19 وبَعْدَ زَمَانٍ طَويل، عَادَ سَيِّدُ أُولـئِكَ العَبِيد، وحَاسَبَهُم.
20 ودَنَا الَّذي أَخَذَ الوَزَنَاتِ الـخَمْس، فَقَدَّمَ خَمْسَ وَزَنَاتٍ أُخْرَى قَائِلاً: يَا سَيِّد، سَلَّمْتَنِي خَمْسَ وَزَنَات، وهـذِهِ خَمْسُ وَزَنَاتٍ أُخْرَى قَدْ رَبِحْتُهَا!
21 قَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: يَا لَكَ عَبْدًا صَالِحًا وأَمِينًا! كُنْتَ أَمِينًا على القَليل، سَأُقِيمُكَ على الكَثِير: أُدْخْلْ إِلى فَرَحِ سَيِّدِكَ!
22 ودَنَا الَّذي أَخَذَ الوَزْنَتَينِ فَقَال: يَا سَيِّد، سَلَّمْتَنِي وَزْنَتَين، وهَاتَانِ وَزْنَتَانِ أُخْرَيَانِ قَدْ رَبِحْتُهُمَا.
23 قَال لَهُ سَيِّدُهُ: يَا لَكَ عَبْدًا صَالِحًا وأَمينًا! كُنْتَ أَمينًا على القَليل، سَأُقِيْمُكَ على الكَثِير: أُدْخُلْ إِلى فَرَحِ سَيِّدِكَ!
24 ثُمَّ دَنَا الَّذي أَخَذَ الوَزْنَةَ الوَاحِدَةَ وقَال: يَا سَيِّد، عَرَفْتُكَ رَجُلاً قَاسِيًا، تَحْصُدُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَزْرَع، وتَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَبْذُر.
25 فَخِفْتُ وذَهَبْتُ وأَخْفَيْتُ وَزْنتَكَ في الأَرض، فَهَا هُوَ مَا لَكَ!
26 فَأَجَابَ سَيِّدُهُ وقَالَ لَهُ: "يَا عَبْدًا شِرِّيرًا كَسْلان، عَرَفْتَ أَنِّي أَحْصُدُ مِنْ حَيْثُ لَمْ أَزْرَع، وأَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ أَبْذُر،
27 فَكَانَ عَلَيْكَ أَنْ تَضَعَ فِضَّتِي عَلى طَاوِلَةِ الصَّيَارِفَة، حَتَّى إِذَا عُدْتُ، اسْتَرْجَعْتُ مَا لِي مَعَ فَائِدَتِهِ.
28 فَخُذُوا مِنْهُ الوَزْنَةَ وَأَعْطُوهَا لِمَنْ لَهُ الوَزَنَاتُ العَشْر.
29 فَكُلُّ مَنْ لَهُ يُعْطَى ويُزَاد، ومَنْ لَيْسَ لَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ حَتَّى مَا هُوَ لَهُ.
30 وهـذَا العَبْدُ الَّذي لا نَفْعَ مِنْهُ أَخْرِجُوهُ وأَلْقُوهُ في الظُّلْمَةِ البَرَّانِيَّة. هُنَاكَ يَكُونُ البُكَاءُ وصَرِيفُ الأَسْنَان.

 

(إنجيل القدّيس متى – الفصل 25 – الآيات 14 إلى 30)

 

::: تأمّــل من وحـي الإنجيـل :::

إنّ نص اليوم هو بمثابة فيلم سينمائي أو عمل مسرحيّ مكتمل العناصر.
- فهناك شخص مسؤول ويوجد أشخاص عملة أو عبيد أقل سلطة منه... إنّها الهرميّة التي نجدها داخل كلّ مؤسّسة، شركة ...
- يوجد سفر، يوجد ترك والإنسان بطبعه إبن بيئة، إبن عائلة... كان السيّد يملك إرثاً كبيراً وأراد السفر لأنّ شيئاً هاماً استوجب أن يترك ويسلّم إلى عبيده ويغادر... موضوع الترك قاسٍ بالنسبة إلى الربّ يسوع ورأيناه في تصرف الشاب الغني الّذي سأل "ماذا اعمل لأرث ... " وأجابه يسوع بأن يترك ما يملك للفقراء فحزن... إذن غالباً ما يسبّب الترك حزناً وتعباً... لنأخذ العادات مثلاً وما أصعب أن يترك الشخص عادة ولو كانت سلبيّة. ولكن، في المثل، هناك ما استوجب الترك. فالّذي يترك أهله وعائلته وأحباءه ويسافر إلى بلدٍ بعيد، يتركهم في سبيل تأمين مستقبل لائق أو ثروة طالما حلم بها ووضعها نصب عينيه كهدف في حياته.
- سلّمهم : يوجد تسليم وثقة. العبد يصبح قيّمًا، يصبح مسؤولًا، يصبح شريكًا: "لا أدعوكم بعد عبيداً، أنتم أحبائي". أصبح العبد صاحب كرامة ، يتكلّم ويتصرّف بأموالٍ كأنّها أمواله، ببيتٍ هو بيته، وكم نحن بحاجة لنعرف كم سلّمنا الربّ؟
- الربّ سلمنا كلّ شيء: إنّه سلّمنا روحه القدوس ("لم تعودوا بعد يتامى") وسلّمنا جسده ودمه وها إنّ الإبن ذهب ليعدّ لنا مساكن جديدة وماذا نريد أكثر من ذلك؟ قسمٌ كبير لا يهمّه كلّ هذا التسليم إلّا الجزء الوسطي أي الأرض وما عليها من استفادة. فالفرق بين العبيد الثلاثة هو أنّ اثنان تصرّفا بوزناتهما على أساس أنّهم شركاء وأبناء وأصحابٌ لتلك الوزانات. أمّا الثالث فبقي على مستوى العبد... فالبنوّة تولّد الحب فيما العبودية تولّد الخوف والبنوّة تنتج الإنفتاح، فيما العبوديّة تولّد الانكماش والانغلاق والتحجر... لهذا لا يعني السيّد قيمة الوزنات فلو كانت تعني له لما تركها لعبيده، ما يعنيه هو تسليم المسؤولية للعبيد لينتقلوا من مرحلة العبوديّة إلى الحريّة، أن يتحوّل الشخص من عبدٍ إلى ابنٍ حرٍّ شريكٍ في الميراث.
- سلّمهم وزنات: خمس، اثنتان وواحدة: الكميات ليست متساوية :
أوّلًا الرب يعرف قدرة كلّ شخص، من يستوعب المتاجرة بالخمس وبالاثنتين... كلّ يعطيه الربّ حسب طاقته فهو لا يطلب من الشخص القيام بعمل يفوق طاقته وقدرته فالوزنة ليست المال فقط بل :
 الصحّة: هل أحافظ عليها حتى لا يكون موتي الجسدي انتحاراً؟
 المال: ما يفيض عنك ليس ملكك بل ملك المحتاجين وإن ملكت كنوز العالم واعتبرتها حاجتك أصبحت عبداً لها وبالتالي لا يمكنك أن تعبد ربّين!
 الأسرة: إنّ الله جعلنا شركاء في الخلق فهو يسهر علينا فهل نسهر على عائلاتنا؟
 القريب: القريب نعمة للإنسان فلماذا نجعله نقمة؟ إن كان خلق الله للإنسان هو فعل حبٍّ فكم بالحريّ أن يجعل انسانًا آخر على كتفي ليكون لي معينًا؟
 العمل: "تأكل خبزك بعرق جبينك" فهل أستعمل ضميري في عملي أم أصبح العمل على الطريقة اللبنانية: "هاي، باي" والمهم أن أقبض الراتب؟
 الخدمة : ذهبت مريم أميالاً لتخدم نسيبتها اليصابات، واليوم هل أخدم ؟ فإذا أصبح التواصل عبر الانترنت فما هي وسيلة الخدمة؟
 الفرح: إنّ أكبر الوزنات إيراداً هو الفرح الذي نزرعه في قلوب الآخرين فهل نعمل لفرحهم ؟ لم يٍخلق أحد لذاته بل لآخر يتضامن معه ويساعده، من هنا أصبح كلّ شخص يحمل مسؤولية هي تلك الوزنة تجاه الزوجة او الزوج، الولد أو الأهل، القريب أو الجار...


واليوم ، هل نحافظ على وزنات الربّ المسلّمة إلينا؟
سؤالٌ يستوجب التأمل ليس لأحد واحد بل لآحاد. إن الله خلق كلّ شيء وهو لم يزل يعمل هو وابنه وكلّ منّا أصبح شريكًا في الخلق فهل نعمل؟ أم اللامبالاة أصبحت أسهل وهي موضة العصر؟!

 

::: تـــــأمـــل روحــــــي :::

 

محكمة!

 

"وبعد مدّةٍ طويلة، عاد سيّد هؤلاء الخدم وحاسبهم(آ:19)
لا بدّ من الحساب ولو بعد حين. فغياب السيّد ما هو إلاّ فرصة يعطيها الآب للإنسان ويصبر بشدّة كي يعي هذا الأخير حاله البائسة بسبب قلّة أمانته وعدم اكتراثه للوزنات، فيُدرك الوقت قبل فواته ويتوب عائدًا إلى حضن الآب الّذي لا يريده أن يهلك.
"أيّة محكمة؟"
في لحظة المثول أمام السيّد، تكون قد أُغلقت أسواق المتاجرة أبوابها وأتى وقت الحساب: لحظةٌ رهيبة حين يُسأل كلٌ منّا عن وزناته.
عند ذاك، "ينال كلُّ واحدٍ جزاء ما عمله وهو في الجسد، أخَيْرُا كان أم شرًا" (2كو 5:10). لم يسأل السيّد العبدين الأوّلين عن كمّيّة الأرباح، كذلك عاملهما بالطريقة وبالمحبة عينها لكليهما، رغم مثول كلٍّ منهما على حدة أمامه، لم يكن يرائي ولا يماحك أو يستغلّ، بل كان كريمًا فرِحًا بعمل الرّجلين العاملين بأمانةٍ من أجل أن يفرح السيّد الّذي وثق بهما وسلّمهما ماله: كانا عند حسن ظنّه، فأقامهما على الكثير، حتّى أنّه لم يأخذ منهما الوزنات بل جعلهما ملكهما (" خذوا الوزنة منه وادفعوها إلى صاحب الوزنات العشر").
ونحن، هل نسأل أنفسنا: "ماذا سيقول لي السيّد عندما أمثُل أمامه يوم الحساب؟"، ربّما أطمئنّ وأغتبط عندما أسمع جواب السيّد للخادمين الأوّلين. فالله لا ينظر إلى كمّية العمل بل إلى الأمانة في العمل مهما كان صغيرًا.
"كلامه يرفعنا"
أيّ عبارةٍ نحبّ أن نسمع من الآب عندما يحين دورنا؟ ألا ننتظر سماع "أحسنت أيّها العبد الصّالح الأمين؟"... عبارة تحمل كلّ معاني الإفتخار، يمدح بها الله إنسانًا رفض كلّ الإغراءات من أجله؟ إنّها مسألة ثقة متبادلة وحبٌّ ملموس دفع بالخادم إلى عيش الأمانة إلى أقصى الحدود.
لم يكتفِ السيّد بذلك، بل أضاف: "كنت أمينًا على القليل فسأقيمك على الكثير"، مكافأة ربّما لا نتوقّعها. فجُلَّ ما ننتظره هو أن يرضى عنّا ويقبلنا بما نحن عليه، فنُفاجأ بمحبّته وطيبته اللامحدودة لشخصنا!
وهنا لا بدّ لنا من أن نفتح أعيننا على غايته من أجلنا: يريد أن يرفعنا أكثر فأكثر إلى القداسة ويملأنا بفرَحِ الإستحقاق.
أمّا العبارة الأخيرة قد تتخطّى حدود إدراكنا ومنطقنا البشريّ: "أدخل فرح سيّدك"! فهل هناك أسمى من هذا الحبّ؟ أليست هي ببركةٍ فائقة تبلسم جراح قلب الإنسان وتهزم خوفه من المنتهى؟".
"فرح سيّدك" هو فرح المسيح يسوع في الملكوت الّذي يدخلنا معه بوحدةٍ مشاركينه إيّاه غنى السماوات إلى الأبد.
"أنُفصِّل الله على قياسنا؟"
لسان حال الأغلبيّة في أيّامنا هذه هو الصورة القاسية الّتي نرسمها عن الله فنقول:" الله لا يضرب إلاّ الّذين يخافونه"، "إنّه لم يقصّر بهم"...، مُتَشَفّين ، عندما يصيب عدوّنا مكروهًا، وما إلى ذلك من عباراتٍ تعكس تفكيرنا المغلوط عن طبع الله، وكأنّه الجزّار المنتقم... أليس هو من أعطى العبد الثّالث الوزنة؟ فكيف لزارع أن يبذر وهو لا يملك البذار؟ لقد وثق به كما الآخرين، وأمّنه على وزنته، لكنّ هذا الأخير إدّعى معرفة سيّده فنعته بالبخل والقساوة، مُنكِرًا عليه طيبته وكرمه، مُستَتِرًا بخوفه، فلم يأتِ بأيّ عملٍ يحرّك وزنته: لقد دفنها ودفن معها كلّ حياته السّابقة في كنف سيّده، وكلّ خيرٍ وطيبة وثقة، أفاضها السيّد عليه قبل وخلال سفره.
أليس هذا نكرانًا للجميل؟ والأفظع، أنّه لم يستطع أن يرى مطلقًا حقيقة سيّده بسبب أنانيّته وقلّة أمانته وكسله الّذين جعلوا غشاءً على قلبه فتحجّر وخلا من الإحساس بالحبّ والحنان، متحوّلاً إلى سيفٍ سلّطه على سبب وجوده ونعمته في الحياة، فارتدّ عليه واستحقّ أن يؤخذ بذات السّيف ويُجَرّد مما له ويُلقى خارِجًا. فهل الأمانة هي مهمّة إلى هذا الحدّ في تقرير مصير الإنسان؟ بالطبع. إنّها تكشف عن ماهيّة علاقتنا بالله وإيماننا بالتقائه يومًا حاملين وزناتنا بين أيدينا من أجل الحساب. إذًا، أفلا ننتظر أن "ندخل فرح سيّدنا" الأبديّ؟

 

::: نوايا وصلاة شكر للقدّاس :::

 

نوايا للقدّاس

 

1- نصلّي من أجل الرعاة، مار بينيدكتوس السادس عشر بابا روما ومار بشارة بطرس بطريركنا الأنطاكي، وأبينا البطرِيَرك مار نصرالله بطرس، ومار جورج بو جوده مطراننا مع سائر الأساقفة والكهنة والمُكَرّسين على اسمك القدّوس، الّذين أودعتهم الوزنات الكثيرة، وهي خدمة الكنيسة جمعاء، أعطهم أن يستثمروا دائمًا في هذه الوزنات، محقّقين أضعاف الأضعاف من رعاية شعبك وخِدمته، حتى الموت في سبيله، نسألك يا رب.
2- نصلّي من أجل جميع المؤمنين المدركين ما أودعتَهم من الخَير والفرح والعناية، كَي يكونوا حاضرين على مثالك، لِمحبّة العالم وخدمته والشهادة لاسمك القدّوس، نسألك يا رب.
3- نصلّي من أجل المسؤولين في بلدنا، ألهمهم كَي يَعوا حجم الأمانة المتعلّقة بهم، وأعطهم القوّة أن يتخطّوا كلَّ فسادٍ وغِش، فيُعيدوا الوديعة في آخر المطاف، بأعلى استثماراتها، نسألك يا رب.
4- نصلّي من أجل جميع المَرضى، كي يبقوا على الرجاء رُغم الألم والوحدة، ذاكرين كلّ يوم أنّهم يشتركوا معك بِوَزنة ألم صليبك، لِخلاصِهم وخلاصِ الجميع، نسألك يا رب.
نصلّي من أجل جميع المنتقلين من بيننا، وقد حملوا ما أعطيتهم من وزنات، وتاجروا بها، كافئهم بحسب حبّك، ولا تنظر إلى شكٍّ، أو خوفٍ راوَدَهم خلال حياتهم، بل انظر إلى دم ابنك الّذي انسفك على الصليب تعويضًا عنهم، غافراً لنا ولهم الخطايا والزلاَّت.

 

 

صلاة شكر للقدّاس

 

نشكرك يا رب، إذ عاملتنا كَشركاء، رغمَ أنّنا عبيد، لِنتاجرَ ونحقّقَ آمالاً وأحلامًا جَمّة، واضِعًا بين أيديَنا إمكانيّات مختلفة، كلٌّ بِحَسَبِ طاقته، كي نزيدها بمجهودنا الشخصيّ: حبُّنا لك ولِبعضنا البعض، وثقتنا بك، وقد أمهَلتنا العمرَ كلّه، كلّ ذلك كَي نشعر بقيمتنا ونُكافأ على ما حقّقناه.
شكرًا لك، لأنّك لم تتركنا وحدنا وتسافر، بل بقيت معنا بجسدك ودمك، تمنحنا القوّة والأمان.
شكرًا لك أيّها الآب والابن والروح القدس من الآن وإلى الأبد، آمين.